الكذب
قناة قطر – رفيق الدرب 1428هـ 2007م
آفة الكذب، وتكون بذلك الآفة السابعة عشر من آفات هذا اللسان قال الله تعالى: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وقال سبحانه: إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ [النحل:105]، وقال تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [البقرة:10]، وقال عز من قائل: وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية:7]، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً))، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أوتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).
أيها المسلمون، هناك أمور لا يعدها الناس من الكذب، وذلك: إما لتهاونهم بها، أو لجهلهم، وهي تعتبر في الإسلام كذباً، وسوف يحاسب عليها صاحبها، أمام الله عز وجل يوم القيامة.
فمن هذه الأمور مثلاً، وهذا كثيراً ما يقع فيه الأباء والأمهات، مع أطفالهم الصغار، وهو دعوة الطفل الصغير لأخذ شيء، وليس مع الداعي شيء، تجد الأب أو الأم، لو أراد أن يأتيه ابنه الصغير قبض على يده، كأن في يده شيء، فيأتي الطفل يجري نحو أبيه، وإذا به يقع في فخ الأب، ولا شيء فيه، وهذا من الكذب ودليل هذا من الشرع حديث عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا وأنا صبي، قال: فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي، يا عبد الله تعال أعطيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما أردت أن تعطيه؟)) قالت: أعطيه تمراً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما إنك لو لم تعطيه شيئاً، كتبت عليك كذبة)).
فاتقوا الله أيها المسلمون، فلينتبه الآباء، ولتنتبه الأمهات إلى هذا، ولنرب أبناءنا على الإسلام ـ أيها الأخوة ـ، ولنغرس فيهم الصدق، وإيانا أن نكذب عليهم.
فإن مثل هذه التصرفات مع الأولاد، من أقوى الأساليب التي تجعلهم كذابين، والشاهد على ذلك أيها الأخوة أن هذا الصحابي الجليل عبد الله بن عامر، هو الذي روى لنا هذا الحديث بنفسه، ما جرى بينه وبين أمه، حين كان صغيراً، ولم ينس هذه الحادثة وبقيت عالقة في ذهنه، فما بالكم لو أن أمه قد كذبت عليه فعلاً، لا يمكن أن ينساها لأن الطفل شديد الحفظ، إضافة إلى أنه يتأثر بوالديه.
ومن الأمور أيضاً والتي لا يعدها الناس كذباً وهي من الكذب، التحدث بكل ما سمع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) وهذا أمر شائع يا عباد الله، أغلب الناس يتكلم ويحدث بكل ما سمعت أذناه، ويبرر لنفسه بقوله: هذا ما سمعته ولا أنقل سوى ذلك، هذا منهي عنه ـ أيها الإخوة ـ في دين الإسلام، فمثلاً: ماذا لو كان ما سمعه تهمة زنا مثلاً لرجل عفيف، أنت سمعت هذا الخبر ونقل لك، فهل يحق لك شرعاً، أن تحدث به في كل مجلس بحجة أنك سمعته، بل من منا يرضى لنفسه أن يتحدث عنه بمثل هذا؟
فاتقوا الله أيها المسلمون، لا تتحدثوا بكل ما تسمعون، فكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
أمر ثالث ـ يا عباد الله ـ منتشر واعتاده الناس ولا يعده الناس كذباً، وهو عين الكذب، ألا وهو التحدث بالكذب لإضحاك الناس فيقول عليه الصلاة والسلام من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له)).
أتدرون أين ينتشر هذا كثيراً، هذا منتشر ـ أيها الأخوة ـ في بيئة المسارح والتمثيليات الموبوءة، أغلب التمثيليات أيها الأخوة وغالب المسرحيات، عبارة عن قصة معينة وأحداث وأغلبها، بل جميعها كذب في كذب، قصص غير واقعية، وأحداث لا مجال للصحة فيها.
بعضكم يتصور أن هذه تمثيلية ليس القصد من ورائها إلا إدخال السرور في نفوس الناس، وما هي إلا ترويح للنفوس لكنها ليست كذلك في ميزان الشرع، إنها من التحدث بالكذب لإضحاك الناس، وهذا أمر محرم في دين الإسلام، فكم اشتهرت أسماء ويا للأسف من وراء هذه الكبيرة، وهي الكذب، كم أتلفوا الأموال، في هذه المسرحيات، وكلها معاصي نسأل الله السلامة والعافية، ينهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ويهدد بالويل عن فعل هذا القبيح، وهم يهنئونه ويبشرونه على نجاح الفيلم، أو المسرحية، فإلى الله المشتكى.
عباد الله، هناك بعض المجالات، أباح الشرع فيها للإنسان أن يكذب وهي في ثلاثة مواضع فقط:
الموضع الأول: الرجل يصلح بين الناس.
الثاني: الكذب على الأعداء للحفاظ على أسرار الجيوش الإسلامية.
الثالث: كذب الرجل على امرأته.
ودليل ذلك ما ثبت عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً ويقول خيراً)).
ولحديثها الآخر رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا أعده كاذباً: الرجل يصلح بين الناس، يقول القول لا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها)
أعلنت دراسة مصرية حديثة أن الكذب عند الأطفال دون 4 سنوات هو عبارة عن خيال ولا خوف منه، حيث إن الكذب في سن 4-5 سنوات يدل على الخيال وخصوبته عند الأطفال ويكون نتيجة اختلاط الخيال بالواقع. وفقًا لما أورده موقع "واحة المرأة الإلكتروني"
وأضافت الدراسة أن هناك عدة عوامل تدفع الطفل إلى الكذب منها: الكذب من أجل الامتلاك أو الاستحواذ على بعض الأشياء، و الكذب الالتباسي وهو نتيجة الخلط بين الواقع والخيال، والكذب الدعائي وهو أن يدعي الطفل وجود شيء عنده لشعوره بالنقص، الكذب الانتقامي وفيه يحاول الطفل إبعاد التهمه عنه وينسبها لشخص آخر، الكذب التقليدي وهو بتقليده للناس الذين يسكنون معه كالآباء والأمهات، والكذب خوفًا من العقاب.
وتشير الدراسة إلى أن خصوبة الخيال عند الطفل قد تكون من أسباب الكذب، فيبدأ بتأليف الروايات، ليدخل السرور إلى الأهل أو لحماية نفسه من الضرب أو لانشغال الأهل وعدم الاهتمام به مما يدفعه للكذب ليجذب انتباههم.
وأوصت الدراسة إلى التذكير الدائم بقيمنا وديننا الإسلامي وما العقاب الذي ينتظر الكاذب، وأهمية التحدث عن الصدق من خلال القصص والقيم والدين، ناصحة الأم المسلمة بأنه في حالة الطفل خصب بالخيال أن تشاركه في خيالاته وتركه ليتحدث عنها أو أن يكتبها، والابتعاد عن الضرب لأنه يزيد من المشكلة.
كما أكدت الدراسة أنه يجب على الآباء أن يكونوا قدوة ولا يكذبون أمام الطفل ، فضلاً عن أن تعزيز الطفل ومكافأته عندما ينطق بالصدق، يعطي نتائج إيجابية
الكذب رأس كل خطيئة
إن الكذب هو رأس الخطايا وبدايتها، وهو من أقصر الطرق إلى النار،كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وإيّاكم والكذِبَ، فإنّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإِنّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النّارِ وَمَا يزَالُ العبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرّى الكَذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذّابا".[رواه البخاري ومسلم].
والكذب إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. وهو مذموم عند كل العقلاء، ولو لم يكن من مضاره إلا أنه يجعل صاحبه في ريبة لا يكاد يصدق شيئًا لكفى، كما قال بعض الفلاسفة: من عرف من نفسه الكذب لم يصدِّق الصادق فيما يقول، ثم إن من عرف بالكذب فإنه لا يكاد يُصَدَّق
في شيء أبدًا، وإن صدق، بل إن سمع الناس بكذبةٍ ربما خرجت من غيره فإنهم ينسبونها إليه:
حسب الكذوب من البلـ ـية بعضُ ما يُحكى عليه
فمتى سمعت بكـذبة مـ ـن غـيره نـسبت إليـه
دواعي الكذب وأماراته:
للكذب دواعٍ تدعو إليه, وأمارات تدل عليه، ولا شك أن معرفة هذه الدواعي, وتلك الأمارات مما يساعد في محاولة العلاج؛ لأن الخُطوة الأولى في علاج أي مرض تنحصر في معرفة أسبابه, وتحديد أعراضه، للقضاء عليها, والتخلص منه، وقد ذكر الماوردي من هذه الدواعي أو الأسباب:
1- اجتلاب النفع, واستدفاع الضر، فيرى الكذَّابُ أن الكَذِبَ أسلمُ, وأغنمُ، فيُرخِّصُ لنفسه فيه اغتراراً بالخُدع واستشفافًا للطمع.
2- أن يُؤْثِرَ أن يكون حديثُهُ مُستعْذبًا، وكلامُهُ مُستظرفًا، فلا يجد صدقًا يعذُبُ, ولا حديثًا يُستظرفُ، فيستحْلِيَ الكذب الذي ليست غرائُزُه مُعْوزَةً, ولا طرائِفُهُ مُعجزَةً.
3- أن يقصد بالكذب التشفي من عدُوِّهِ، فيسمُهُ بقبائح يخترعُها عليه، ويصفُهُ بفضائح يَنْسبُها إليه.
4- أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتى ألفها، فصار الكذب له عادةً, ونفسُهُ إليه مُنقادةً.
5- حُبَّ التَّرَأُسِ، وذلك أنَّ الكاذِبَ يرى له فضلاً على المُخبر بما أعلمَهُ، فهو يتشبَّهُ بالعالِمِ الفاضل في ذلك.
أما أمارات الكذب فمنها:
- أنك إذا لقنته الحديث تلقنه ولم يكن بين ما لقَّنُتَهُ (إياه) وبين ما أورده فرقٌ عِندَهُ، أي أنه يَخْلِطُ بين ما سمِعَهُ منك, وما اخترَعَهُ من عِنْدِهِ.
- أنك إذا شكَّكْتَهُ في الحديث تشَكَّكَ حتى يكادُ يرجعُ فيه.
- أنك إذا رددت عليه قوله حَصِر وارْتَبَكَ، ولم يكن عندهُ نُصْرَةُ المُحتَجّين, ولا بُرهان الصادقين.
- ما يظهر عليه من ريبة الكذَّابين، ولذلك قال بعض الحكماء: "الوجوه مرايا، تُريك أسرارَ البرايا". وإذا اتَّسم بالكذبِ، نُسبتْ إليه شواردُ الكذِبِ المجهولةِ (أي الشائعات وما في حُكمها)، وأضيفت إلى أكاذيبه زياداتٌ مُفْتَعَلَةٌ، حتَّى يصيرَ هذا الكاذبُ مكذُوبًا عليه، فيجمعُ بين معرَّةِ الكذب منه، ومضرَّةِ الكذب عليه.
أنواع الكذب:
الكذب أنواع متعددة، فمنه ما يكون في الأقوال، ومنه ما يكون في الأفعال، ومنه ما يكون في النِّيات.
أولاً: الكذب في الأقوال:
وهو أن يخبر بخلاف الصدق، وبخلاف الواقع، وهذا أيضًا أشكال متعددة، تتفاوت في الإثم بحسب كل شكل منها، فأعظمها وأكبرها إثما الكذب على الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-. قال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)[الأنعام:21].
ومن ذلك التحليل والتحريم، بحسب الأهواء، لا بحسب الشرع المنزل من عند الله، ولهذا عنَّف الله الكفار حين ادعوا أن ما شرعوه من عند أنفسهم هو الشرع الذي أوحى به الله: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)[النحل:116].وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:21)
والنبي –صلى الله عليه وسلم- حذَّر من الكذب عليه، فقال: "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"[صحيح الجامع الصغير:6519].
ثم يأتي بعد ذلك الكذب على المؤمنين، ومنه شهادة الزور التي عدَّها النبي –صلى الله عليه وسلم- من أكبر الكبائر، وكم وُجد في عصرنا هذا من باع دينه, وضميره وشهد شهادة زور، فأضاع حقوق الناس أو رماهم بما ليس فيهم، طمعًا في دنيا أو رغبة في انتقام أو تشفٍّ.
ومنه الكذب في المزاح ليُضحك الناس، وقد جاء في الحديث: "وَيْلٌ لِلّذِي يُحَدّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ".[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه].
ولا يُتصور في المؤمن أن يكون كذَّابًا؛ إذ لا يجتمع إيمانٌ وكذب، ولهذا لما سئل النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أيكون المؤمن كذَّابًا؟ قال: لا". مع أنه –صلى الله عليه وسلم- قد قرر أنه قد يكون بخيلاً أو جبانًا، لكن لا يكون كذَّابًا.
فإن الكذب في الحديث من علامات النفاق: "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خانَ".
والكذب ليس من شِيم الأكابر، بل هو من شِيم الأصاغر، الذين هانوا على أنفسهم فهان عليهم الكذب، ولو كانوا كبارًا في أعين أنفسهم لنأوا بها عن الكذب. قال الشاعر:
لا يكذب المرء إلا من مهانته أو فعله السوء أو من قلة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة من كذبة المرء في جدٍّ وفي لعب
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: "لأن يضعني الصدق -وقَلَّما يضع- أحبَّ إليَّ من أن يرفعني الكذب- وقلَّما يفعل-".
ثانيًا: الكذب في الأفعال:
فقد يفعل الإنسان فعلاً يوهم به حدوث شيء لم يحدث، أو يعبر به عن وجود شيء غير موجود، وربما يكون الكذب في الأفعال أشد خطرًا أو أقوى تأثيرًا من الكذب في الأقوال، ومن أمثلة ذلك، ما حكاه الله لنا من أقوال وأفعال إخوة يوسف عليه السلام، إذ جاءوا أباهم عشاءً يبكون بكاءً كاذبًا.. وجاءوا على قميص يوسف بدم كذب، فجمعوا بين كذب القول وكذب الفعل.[الأخلاق الإسلامية 1/529].
ثالثًا: الكذب في النيات:
وهو أن يقصد بنيته غير وجه الله –تعالى-، ويدل عليه حديث الثلاثة الذين تُسعَّر بهم النار: "الشهيد, والمُنْفِقْ, والعالِم". حين يدَّعِي كل منهم أنه فعل ذلك لوجه الله، فيقال لكل منهم: كذبت! ولكن قاتلت ليقال جريء فقد قيل. وللآخر: كذبت ولكن تصدَّقت ليقال جواد. وللثالث: كذبت ولكن تعلمت ليقال عالِم.
فالكذب هو رأس كل خطيئة، وهو عارٌ على صاحبه
المزاح
فإن الإنسان مدني بطبعة، ومع اتساع المدن وكثرة الفراغ لدى بعض الناس، وانتشار أماكن التجمعات العامة كالمنتزهات والإستراحات، وكثرة الرحلات البرية، والإتصالات الهاتفية، واللقاءات المدرسية، والتجمعات الشبابية، توسع كثير من الناس في المزاح مع بعضهم البعض، دون ضابط لهذا الأمر الذي قد يؤدي إلى المهالك، ويورث العداوة والبغضاء.
والمراد بالمزاح: الملاطفة والمؤانسة، وتطييب الخواطر، وإدخال السرور. وقد كان هذا من هدي النبي كما ذكر ذلك البخاري في باب الانبساط إلى الناس مستدلاً بحديث: { يا أبا عمير ما فعل النغير
وكذلك ما رواه أبو داود عن أنس أن رجلاً أتى النبي فقال: يا رسول الله احملني. فقال النبي : { إنا حاملوك على ولد الناقة } قال وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي : { وهل تلد الإبل إلا النوق }.
وعن أنس أن النبي قال له: { يا ذا الأذنين } يمازحه [رواه الترمذي].
ولا شك أن التبسط لطرد السأم والملل، وتطييب المجالس بالمزاح الخفيف فيه خير كثير، قال ابن تيمية رحمه الله: ( فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق فهذا من الأعمال الصالحة، وقد اعتبر بعض الفقهاء المزاح من المروءة وحسن الصحبة، ولاشك أن لذلك ضوابط منها:
1- ألا يكون فيه شيء من الإستهزاء بالدين:
فإن ذلك من نواقض الإسلام قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْالصفحات [1] [ 2]